لا وقت للذهاب إلى الجيم، جربوا "الحركة المتقطعة"
تعد ممارسة الرياضة أمرا شاقا للكثير من الأشخاص، خاصة عندما يكون من الصعب إيجاد الوقت لها. فبين الطبخ والتنظيف والذهاب إلى العمل، وتربية الأسرة غالبًا ما نُهمل الرياضة بحجة "ليس لدينا الوقت". إلا أنه يمكن لفترات الحركة القصيرة على مدار اليوم، أن تساعد في تقليل أوقات الجلوس ودعم صحة القلب وحركة الأمعاء والجهاز الهضمي، وجعل ممارسة الرياضة أسهل.
ومع أن ممارسة الرياضة فعليا تبقى مرهونة بوقتنا، إلا أنه من الضروري أن نتذكر أن الحركة غالبا ما تكون عاملا في تحسين روتين حياتنا اليومية من خلال تقليل التوتر، وتعزيز النوم العميق، وزيادة مستويات الطاقة، ودعم الصحة على المدى الطويل.
وبحسب الدكتورة ميغان آرثر، طبيبة متخصصة بالرعاية الأولية في الطب الرياضي في مستشفى هيوستن ميثوديست، يمكننا تخطي هذا التحدي، من خلال إعادة النظر في مفهوم الرياضة، وتقول: "إذا استطعتِ تغيير نظرتك إلى الرياضة، بحيث لا تقتصر على "الجيم" أو النادي الرياضي فقط، يصبح الالتزام بها أسهل بكثير"
لذا تنصح د. آرثر باتباع نهج عملي للحركة، يعرف بـ "الحركة المتقطعة"، يُساعد على دمج النشاط البدني في جدولكم اليومي دون الحاجة إلى فترة طويلة مخصصة للتمرين.
وفيما يلي تشرح د. آرثر ماهية "الحركة المتقطعة"، ولماذا تعتبر مهمة، وما الذي يجب مراعاته قبل تجربتها؟
ما هي "الحركة المتقطعة"؟
توضح د. آرثر أن "الحركة المتقطعة" تقوم على القيام بدفعات قصيرة ومتعمدة من الحركة على مدار اليوم، بدلاً من الاعتماد فقط على التمرين التقليدي في الجيم لمدة 30 إلى 60 دقيقة. وتقول د. آرثر: "يمكن القيام بهذه التمارين لفترات قصيرة في أي مكان، وتمتد من دقيقة إلى خمس دقائق.
فالفكرة بسيطة: كميات صغيرة من الحركة، عند ممارستها بانتظام، من شأنها أن تُحدث فرقًا ملحوظًا. من ممارسات الحركة المتقطعة، المشي السريع في أرجاء المكتب، أو صعود الدرج، أو القيام ببعض تمارين القرفصاء بين الاجتماعات، أو المشي في المكان أثناء المكالمات الهاتفية.
وبحسب د. آرثر، فإن أفضل التمارين "الخفيفة"، هي تلك التي لا تتطلب أي معدات أو تحضيرات مُسبقة، أي باعتبارها وقتا نشطا لجسمكم، وليست تمارين رياضية مُختصرة. وتضيف د. آرثر: "التمارين المُنظمة ليست سوى طريقة واحدة للحفاظ على النشاط، ففترات قصيرة ومنتظمة من النشاط على مدار اليوم، يُمكن أن تُفيد صحتكم بشكل كبير".
"الحركة المتقطعة" أفضل من لا شيء
توصي منظمة الصحة العالمية البالغين بممارسة النشاط البدني، وتؤكد أنه يتوجب على الفرد ممارسة نشاط بدني معتدل الشدة، لمدة 150 دقيقة أسبوعيًّا على الأقل، إلا أن الإحصائيات الأخيرة المعلنة في العالم العربي، أظهرت تفاوت ملحوظ بين النساء والرجال ومن بلد لأخر. ومع ازدياد متطلبات العمل اليومية وازدياد فتوات الجلوس المطولة، تزداد الحاجة للحركة ليس فقط لتقليل آثار الجلوس وتصلب العضلات، بل أيضا لتحسين الأداء الجسدي والعقلي والنفسي، ورفع مستويات الطاقة للاستمتاع بحياة أفضل.
وتوضح د. آرثر أن الجلوس لفترات طويلة مرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي. فالبقاء في وضعية الخمول لفترات طويلة يؤدي إلى انخفاض في نشاط العضلات، وتنظيم السكر (الجلوكوز) في الدم، واستقلاب الدهون (عملية هضم وامتصاص وتخزين الدهون)، التي تساهم في زيادة خطر مقاومة الأنسولين، والتسبب بأمراض القلب والأوعية الدموية، واضطرابات الصحة القلبية الأيضية.
وأظهرت دراسة تحليلية شاملة واسعة النطاق، نُشرت في مجلة أنالز أوف إنترنال مديسين (Annals of Internal Medicine)، أن الجلوس لفترات طويلة ونمط الحياة الخامل، حتى لو تم الأخذ بالاعتبار مستوى النشاط البدني، مرتبطان بزيادة خطر الوفاة لأي سبب، وكذلك أمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان، وداء السكري من النوع الثاني.
وتقول د. آرثر: "بعبارة أخرى، عندما تجلس لفترات طويلة تقلّ حركة عضلاتك، مما يُصعّب على جسمك تنظيم مستوى السكر في الدم، ويُبطئ العمليات التي تُساعد على تكسير الدهون. ومع مرور الوقت، يُمكن أن تُؤثر هذه التغييرات على الصحة الأيضية وصحة القلب"
وبالتالي توصي د. آرثر اتباع نهج الحركة المتقطعة، والنهوض كل 30-60 دقيقة، ومقاطعة فترة الجلوس والقيام بنوع من التمارين أو الحركات الخفيفة كالمشي السريع، أو القرفصاء، أو صعود الدرج. قد لا تغني هذه الحركات لفترات قصيرة عن فوائد التمارين الرياضية المطولة، إلا أنها تساعد على أن نكون أكثر نشاطًا طوال اليوم، بدلًا من انتظار فرصة للتمرين، قد لا تُتاح أبدًا.
وتؤكد د. آرثر أن الحركة المتقطعة ليست حيلة سريعة لخفض الوزن. وتقول د. آرثر أن الحركة المتقطعة تعد أكثر فائدة كأداة لتحسين الطاقة، واستقرار مستوى السكر في الدم، ولياقة القلب والأوعية الدموية على المدى الطويل. وتؤكد أن للتغذية والنوم ومستوى النشاط العام، دورٌ في إدارة الوزن والصحة العامة على المدى البعيد.
وتيرة الحركات المتقطعة وشدتها
من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا حول ممارسة التمارين الرياضية الخفيفة، هو الاعتقاد بأن حركاتك يجب أن تكون مكثفة لدرجة تجعلك تلهث بشدة. ولكن هذا الأمر ليس صحيحًا.
وتنصح د. آرثر المبتدئين بالتروي والقيام بمجهود معتدل، يتمثل برفع ضربات القلب، إلى حد يمكنكم من التحدث دون تقطع أو لهث. وتوضح د. آرثر أن النشاط الخفيف، كالمشي السريع في الممر، أو صعود بضع درجات من السلالم، أو القيام ببعض تمارين القرفصاء بوزن الجسم، قد يكون كافيًا لتحريك الجسم وتحقيق فوائد أيضية. فالهدف في البداية ليس زيادة شدة التمرين، بل الاستمرارية، مضيفة: "".
التفكير في زيادة صعوبتها. وتقول:" لتحقيق التقدم، أنصح بزيادة التكرار أولًا، وجعل الحركة روتينية، ثم زيادة الشدة أو إضافة مقاومة بمجرد ترسيخ العادة. فالاستمرارية أهم من شدة التمارين في البداية. وبمجرد أن تصبح الحركة المتقطعة عادة يومية، يمكنكم زيادة وتيرة التمارين تدريجيًا، أو إضافة المزيد من وتيرتها، أو دمج تمارين المقاومة مع تحسّن لياقتكم البدنية".
أمثلة لتمارين خفيفة يمكنك الاستعانة بها خلال حركتكم المتقطعة
توضح د. آرثر أن التمارين الخفيفة الأمثل، هي التمارين البسيطة التي يمكن بدئها دون جهد في التخطيط. والخبر السار هو أن هنالك العديد من الأمثلة التي يمكن الاستعانة بها. سواء كنتم في المكتب، أو في المنزل أو أي مكان، يمكنكم القيام بالتالي:
خلال مكالمة هاتفية: إذا كنتم على الهاتف في محادثة هاتفية، اغتنموا الفرصة للمشي في أرجاء المكتب أو المنزل، أو المراوحة في مكانكم، أو الجلوس والنهوض في مكانكم، أو القيام ببعض تمارين الاندفاع (lunges)، أو الاستعانة بكرسي المكتب للقيام ببعض التمارين (كتلك في الصورة المرفقة). وإذا كنتم في مكالمة فيديو على هاتفكم، يمكنكم المشي بعد الانتهاء منها.
بين الاجتماعات: إذا كان جدول أعمالكم مزدحم بالاجتماعات المتتالية، قد تكون بضع الدقائق بين الاجتماع والأخر فرصة لتمارين خفيفة وحركات متقطعة. قبل البدء بالاجتماع، يمكنكم الجلوس والنهوض في مكانكم، أو القيام ببعض حركات من القرفصاء، أو المشي حول غرفة الاجتماع، أو الاستعانة بالحائط لبعض تمارين الضغط (push ups)، أو إذ أردتم تمرين أكثر شدة، جربوا بعض تمارين القفز (jumping jacks)، التي من شأنها أن تحرك الدم في الجسم بأكمله.
عند الانتظار (لشراء القهوة أو الغداء أو حتى الاجتماع التالي): يمكنكم الاستفادة من الثواني والدقائق القليلة خلال وقوفكم، بالقيام بحركات بسيطة ذات منفعة كبيرة، كتمارين رفع الساقين (calf raises) خلال وقوفكم، أو المشي والتنقل في أرجاء الغرفة، أو استخدام السلالم عوضاً عن المصعد، أو أخذ الطريق الأطول إلى وجهتكم.
انخفاض في النشاط: جميعنا يمر في فترات نشعر خلالها بانخفاض في مستوى نشاطنا. ويمكن لتمارين خفيفة أن تكسر هذا الجمود الذهني، وإنعاش نشاطنا وقدرتنا على مزاولة مهامنا اليومية. يمكن لثلاث أو خمس دقائق من المشي السريع، أو صعود ونزول السلام أن يجدد نشاطنا. كما يمكن للتمارين القرفصاء، وتمارين الضغط، وتمارين رفع الساقين، أن تحرك الدم في جسمنا وأذهاننا.
الاستعانة بالمعدات الرياضية: إذا كان لديكم وصول لمعدات رياضية كجهاز مشي مكتبي أو أوزان، في مكتبكم أو في أنحاء المنزل، يمكنكم الاستعانة بها بالإضافة إلى استخدام وزن جسدكم في التمارين. الأمر الذي أيضا يساعد في تنويع التمارين والحركات المتقطعة التي يمكن القيام بها، كاستخدام جهاز المشي خلال الرد على مكالماتكم أو الرسائل الالكترونية، أو حتى حضور اجتماعاتكم الافتراضية (دون فيديو)، أو الاستعانة بدراجة مكتبية (under-desk bike) خلال جلوسكم لفترات طويلة على مكاتبكم، أو استخدام أربطة مقاومة أو الأوزان خلال فترات الاستراحة بين الاجتماعات أو عند التحدث على الهاتف، أو استخدام الدرج لتمارين الصعود (step-ups).
وتوضح د. آرثر أن المبدأ سهل: القيام بحركات بسيطة دون جهد وتخطيط كبيرين، وتكرراها مرارا، دون الشعور بأنها معاناة.
هل الحركة المتقطعة للجميع؟
تعد الحركات المتقطعة والتمارين الخفيفة لأغلب البالغين طريقة سهلة لإضافة الحركة إلى الروتين اليومي، خاصة الأشخاص أصحاب الجداول اليومية المزدحمة، الذين قلما يجدون الوقت للالتزام بالذهاب إلى النادي أو مزاولة التمارين الرياضية التقليدية. ولكن، يتوجب على بعض الأفراد مراعاة القيام ببعض التمارين أو الحركات المتقطعة.
وتوضح د. آرثر أن على بعض الأشخاص، الذين يعانون من حالات مرضية قلبية غير مستقرة، أو قيود كبيرة على حركتهم، أو مضاعفات متقدمة لأمراض مزمنة، أن يحددوا شدة تمارينهم والتقدم بها بحرص مناسب لحالتهم الصحية، وقدرتهم على أدائها دون أي عوارض جانبية.
هذا لا يعني امتناعهم عن الحركة المتقطعة والتمارين الخفيفة، بل يعني أن عليهم أخذ صحتهم البدنية وقدرتهم على الحركة بعين الاعتبار قبل مزاولة أية تمارين. وتنصح د. آرثر الأشخاص غير المتأكدين من مستوى الحركة المناسب لهم، استشارة طبيبهم.
وتختم د. آرثر بالقول: "ليس بالضرورة أن يكون لديكم جدول تمارين مثالي للحركة، فخطة التمرين الأكثر فعالية وكفاءة، هي تلك التي يمكنكم القيام بها وتكرارها، وغالبا تبدأ بدقائق معدودة".
July 15, 2026